أبي بكر جابر الجزائري

263

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيات بعد ذكر الأدلة والبراهين على وجود اللّه وقدرته وعلمه وحكمته ووجوب عبادته وتوحيده فيها وتقرير البعث والجزاء يوم لقائه رحمة منه ورأفة بعباده أمرهم جميعا مؤمنيهم وكافريهم بالإيمان به وبرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فالمؤمنون مأمورون بزيادة الإيمان والثبات عليه والكافرون مأمورون بالإيمان والمبادرة إليه . وبما أن الآيات نزلت بالمدينة بعد الهجرة وبعد صلح الحديبية فإن هذه الأوامر والتوجيهات الإلهية تشمل المؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين في إيمانهم تشمل الراغبين في الإيمان في مكة وغيرها وهم يترددون في ذلك فوجه الخطاب إلى الجميع لهدايتهم ودخولهم في رحمة اللّه الإسلام بسرعة ودون تباطؤ فقال تعالى آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي صدقوا بوحدانية اللّه ورسالة رسول اللّه وأنفقوا مما جعلكم « 1 » مستخلفين فيه من الأموال ، ووجه الاستخلاف أن العبد يرث المال عمن سبقه ويموت ويتركه لمن بعده فلا يدفن معه في قبره . وقوله تعالى فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أي ثواب عظيم عند اللّه وهو الجنة والرضوان فيها . وهذا الإخبار يفيد تنشيط الهمم الفاترة والعزائم المترددة . وقوله : وَما لَكُمْ لا « 2 » تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ « 3 » يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 4 » أي أي شيء يجعلكم لا تؤمنون وفرص الإيمان كلها متاحة لكم فإيمانكم الفطري صارخ في نفوسكم إذ كل من سألكم : من خلقكم ؟ من خلق العالم حولكم ؟ سماء وأرضا تقولون اللّه . وأنتم في حرمه وحمى بيته والرسول الكريم بين أيديكم يدعوكم صباح مساء إلى الإيمان بربكم وقد أخذ اللّه ميثاقكم عليكم بأن تؤمنوا به وذلك يوم أخرجكم في صورة الذر من صلب آدم أبيكم وأشهدكم على أنفسكم فشهدتم . إذا ما هذا التردد إن كنتم تريدون الإيمان فآمنوا قبل فوات الأوان . وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ أي إنكم تدعون إلى الإيمان باللّه الذي ينزل على عبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آيات واضحات المعاني بينات الدلائل كل ذلك ليخرجكم من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم ، فما لكم لا تؤمنون إذا ما هذا التردد والتلكؤ يا عباد اللّه في الإيمان باللّه وبرسول اللّه ، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فاعرفوا هذا وآمنوا به ويدلكم على ذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول وتوضيح الأدلة

--> ( 1 ) قوله : مُسْتَخْلَفِينَ دال على أن أصل الملك للّه تعالى وما العبد إلا مستخلف فيه فتعين أن يتصرف فيه بإذن المالك الحق فلا ينفق إلا حيث يأذن ويرضى سبحانه وتعالى . ( 2 ) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ الاستفهام للتوبيخ أي : أيّ عذر لكم في ألا تؤمنوا وكل دواعي الإيمان وأسبابه متوفرة لكم . ( 3 ) جملة : وَالرَّسُولُ : حالية . ( 4 ) إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي : إن كنتم مريدي الإيمان فهذه دواعيه قد كملت وأسبابه قد حضرت أخذ عليكم الميثاق فيه والرسول يدعوكم إليه . فبادروا ولا تباطئوا .